تحول استراتيجي في المعركة السودانية والجيش يسيطر على القصر الرئاسي

كتب- شريف ربيع
يتطور الصراع في السودان مع مرور الوقت؛ فقد تقدم حقق الجيش السوداني تقدمًا ملحوظًا في وسط الخرطوم؛ ما جعله يضيق الخناق أكثر على مليشيا “الدعم السريع” المتمردة الموجودة في القصر الرئاسي والمقار الحكومية الأخرى بمركز المدينة. وسيطر الجيش على نادي الأسرة والخرطوم 3 وجزء من الخرطوم 2، وكذلك موقف “شروني” وأبراج النيلين وجسر “المسلمية وتقع هذه المناطق بالقرب من القصر الرئاسي والجيش كان يتقدم بالفعل نحو القصر الرئاسي حتى سيطر عليه تمامًا؛ وهو بهذا أحكم قبضته وحصاره للمليشيا المتمردة الموجودة في القصر الرئاسي ومنطقة وسط العاصمة. وقد قال نصر الدين عبد الفتاح قائد سلاح المدرعات: “إن الجيش على مشارف إكمال المرحلة الثالثة من العمليات العسكرية بتحرير ما تبقى من ولاية الخرطوم”.
وهي المرحلة التي أعلن عنها الفريق أول عبد الفتاح البرهان القائد العام لقوات الشعب المسلحة منذ نحو أربعة أشهر داخل ولاية الخرطوم، بعدما نجح الجيش في استعادة السيطرة على مدينة الخرطوم بحري من مصفاة النفط في أقصى شمالها حتى جسر المك نمر في أقصى جنوبها، مع بقاء جيوب صغيرة للمليشيا في (كافوري، والحاج يوسف، وشرق النيل).
الجيش يتحرك عمليًّا لتأمين محيط الخرطوم ومنع أية محاولات من جهة المليشيا لإعادة التسلل أو الحصول على إمدادات جديدة؛ وهذا ربما يشمل توسيع العمليات العسكرية في الطرق والممرات التي تربط العاصمة بالولايات الأخرى لضمان عدم حصول “الدعم السريع” على تعزيزات من مناطق مثل الجزيرة أو كردفان، إضافة إلى تشديد الرقابة الجوية وتنفيذ العديد من الضربات الاستباقية على خطوط الإمداد التي تستخدمها المليشيا.
وبالنظر إلى مسار الحرب منذ اندلاعها نجد أن الجيش تحرك وفق ثلاث مراحل: الأولى تمثلت في مرحلة الدفاع والصمود؛ فقد واجه الجيش هجمات المليشيا التي سعت للسيطرة على العاصمة لكنه تمكن من الحفاظ على مواقعه الاستراتيجية الأساسية. ثم المرحلة الثانية التي شهدت استعادة تدريجية للأرض من خلال عمليات عسكرية محكمة؛ نتج عنها إخراج المليشيا من مواقع أساسية مثل (القيادة العامة وجسور الخرطوم)، ثم حدثت استعادة الخرطوم بحري بالكامل تقريبًا. والآن تدخل المعركة مرحلتها الثالثة التي تهدف إلى استئصال المليشيا نهائيًّا من المناطق المتبقية، وتأمين العاصمة كليًّا. في الوقت الذي يهدد فيه حميدتي بتصعيد جديد في المعارك وعدم الانسحاب من القصر الرئاسي والعاصمة الخرطوم.
ذكاءٌ سياسي
وبطبيعة الحال ففي سياق الحرب تعد المواقف السياسية المتغيرة إشارات استراتيجية ينبغي استثمارها بذكاء؛ ففي الفترة القريبة الماضية كانت رسالة القائد رمضان حسن نمر ذات دلالاتٍ مهمة ببخصوص موقف الحركة الشعبية “جناح الحلو” من الصراع الدائر، وبالتحديد تحالفها مع ميليشيا “الدعم السريع”؛ ما كشف عن تناقضات داخل الحركة. والآن يأتي بيان “تنسيقية منابر وكيانات جبال النوبة والشخصيات الاعتبارية” الصادرعن التنسيقية ليرسخ هذا الانقسام ويعزز الفرصة المتاحة أمام الحكومة للضغط على الحركة الشعبية واستقطاب قواعدها التي أصابها القلق من تحالف الحلو مع الميليشيا المتمردة.
وقد جاء البيان الصادر عن “تنسيقية منابر وكيانات جبال النوبة” محملًا برفض واضح لتحالف الحلو مع “الدعم السريع” معتبرًا إياها بمثابة خيانة عظمى وتهديد مباشر لاستقرار جبال النوبة والسودان كله. إضافة إلى رفض الموقعين مشروع “الحكومة الموازية” الذي يسعى الحلو إلى تأسيسه في كاودا، بل أكدوا دعمهم للجيش السوداني وأهمية استعادة سيطرته الكاملة على البلاد كلها. علاوة على ذلك دعت الوثيقة أبناء جبال النوبة إلى التعبئة السياسية والعسكرية لمواجهة تحركات الحلو؛ مما يعد خطوة كاشفة عن مدى التصدع داخل الحركة الشعبية نفسها.
هذا الموقف يعكس تحولًا كبيرًا في التوازنات داخل جبال النوبة؛ فلم يعد الحلو قادرًا على تقديم نفسه كقائد يحظى بالإجماع داخل الإقليم، بل الواقع يؤكد وجود معارضة متزايدة من شخصيات وكيانات محلية ترى في تحالفه مع الميليشيا المتمردة خطرًا استراتيجيًّا على مستقبل المنطقة؛ وهو ما يعد فرصة استراتيجية كبرى للحكومة السودانية يمكنها استثمارها لإضعاف نفوذ الحلو وقطع الطريق على مشروعه السياسي والعسكري؛ من خلال التواصل مع القيادات والكيانات الرافضة لتحالف الحلو مع “الدعم السريع” ودعمها سياسيًّا وإعلاميًّا باعتباره صوت وطني هدفه الحفاظ على استقرار جبال النوبة والسودان، والتأكيد في المحافل الدولية والإقليمية أن مشروع “الحلو” بشأن “الحكومة الموازية” لا يحظى بدعم أهالي وأبناء الجبال، وكذلك تعزيز وجود الحكومة السودانية داخل الإقليم عن طريق المشروعات التنموية والأمنية التي تسهم في تقليل تأثير الحركة الشعبية سياسيًّا، وتعزيز وجود الجيش السوداني داخل المناطق الاستراتيجية من الإقليم.





