أخبار العالماقتصادخبر عاجلسياسةمقالات

علي عبد النبي: لهذا السبب.. لا يمكن لأي دولة نووية أن تقوم بإجراء تجارب حقيقية جديدة

بقلم: د. علي عبد النبي

تجارب الأسلحة النووية تتم لتحديد فاعليتها وقوتها، وكذلك قدرتها على التفجير. ويوفر اختبار الأسلحة النووية معلومات عملية حول كيفية عمل الأسلحة النووية تحت الظروف المختلفة، ورصد تأثيرها على كل ما هو موجود فى البيئة المحيطة، سواء كانت أحياء أو جماد.

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 64، والتى عقدت فى 2 ديسمبر 2009، أن يصبح يوم 29 أغسطس من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة التجارب النووية.

طبعا شىء جميل، لكن مع حلول عام 2009، وباستثناء كوريا الشمالية كانت جميع الدول النووية قد أنهت تجاربها النووية، بل وأصبحت تمتلك ترسانة ضخمة من القنابل النووية الاستراتيجية، وأصبحت تئن من تكاليف صيانة هذه الترسانة، لتصبح صالحة للاستخدام حين طلبها.

29 أغسطس هو يوم عالمى لمناهضة التجارب النووية .. من المعنى بهذا الموضوع ؟. الرد، طالما يوم عالمى يبقى المعنى هى دول العالم الغير نووية، لأن الدول النووية، لن تقوم بإجراء تجارب نووية حقيقية جديدة، لأنها أصبحت تقوم بإجراء تجارب تطوير أسلحتها النووية على الحاسبات الآلية.

الأسلحة النووية هى من أسلحة الدمار الشامل، وهى أخطر الأسلحة على وجه الأرض. والأسلحة النووية الإستراتيجية صممت فى الغالب لاستهداف عمق العدو بعيداً عن الجبهة، فتلحق الدمار والخراب لمساحات واسعة من الأراضى، وتدمير مدن بأكملها، وتقتل الملايين وتتسبب فى تلوث البيئة الطبيعية، فتكون بمثابة خطر يهدد الأجيال القادمة.

جميع الدول النووية تعلم أنها لن تستخدم الأسلحة النووية الإستراتيجية فى أى حرب تأتى بعد الحرب العالمية الثانية، حين استخدمت أمريكا قنبلة نووية “الولد الصغير” يوم 6 أغسطس 1945، ودمرت مدينة “هيروشيما” اليابانية، ثم استخدمت قنبلة نووية “الرجل البدين” يوم 9 أغسطس 1945، ودمرت مدينة “ناجازاكى” اليابانية. ونتيجة لهذا العمل اللا أخلاقى، ففى يوم 15 أغسطس 1945، أعلنت اليابان استسلامها، ووقعت وثيقة الاستسلام يوم 2 سبتمبر 1945، مما أنهى الحرب فى المحيط الهادى.

إذا قامت حرب نووية بين دولتان فلن يكون هناك منتصر لأن الدمار سيعم. وبذلك أصبح استخدام الأسلحة النووية الإستراتيجية شبه مستحيل. وأصبحت الأسلحة النووية الاستراتيجية تستخدم للردع فقط، وحتى لا تعتدى دولة نووية على دولة نووية أخرى. وستظل الحروب المستترة بين الدول النووية تتم باستخدام الأسلحة التقليدية، ومن خلال تجنيد العصابات والمنظمات الإرهابية، وذلك لتأمين مصادر الطاقة، وتأمين طرق نقل مصادر الطاقة.

أول تجربة نووية فى العالم كانت فى 16 يوليو 1945، فى موقع “ترينيتى” فى جنوب شرق ولاية نيو مكسيكو فى أمريكا – قنبلة نووية قدرتها التدميرية 20 كيلوطن من “تى إن تى” – والتجربة تمت قبل قنبلة “هيروشيما” بـ 20 يوم. ومنذ سنة 1945 وحتى سنة 2017 تمت 2056 تجربة نووية، من بينها 528 تجربة فوق سطح الأرض، و1528 تجربة تحت الأرض. وكان لأمريكا نصيب الأسد بـ 1030 تجربة، ويليها روسيا بـ 715 تجربة، ثم فرنسا بـ 210، وبريطانيا بـ 45، والصين بـ 45، والهند بـ 3، وباكستان بـ 2، وكانت آخر تجربة نووية فى عام 2017، قامت بها كوريا الشمالية وبذلك أتمت 6 تجارب نووية. لم نذكر إسرائيل، لأن تجارب إسرائيل النووية كانت مشاركة مع تجارب فرنسا النووية، ومع دول أخرى، من خلال التعاون النووى السرى.

التجارب النووية هى تفجير نووى حقيقى، يتم فى مواقع اختبار، وهى أماكن مملوكة للدول القائمة على هذه التجارب، أو خاضعة لرقابتها أو مؤجرة. هذه التجارب لها تأثير مدمر وتسبب تلوث إشعاعى فى البيئة الجوية والمائية والجوفية. فهى تتسبب فى تركيز النظائر المشعة الرئيسية التى يتم إطلاقها، مثل الكربون-14، والسيزيوم-137، والسترونتيوم-90، وأمريسيوم -241، وتصبح متواجدة بشكل عام فى الغلاف الجوى والبيئة الجوفية والبحرية. وبذلك، تتسبب في زيادة كبيرة فى حدوث سرطان الغدة الدرقية محلياً وإقليمياً.

وأمريكا هى واحدة من الأمثلة الهامة لتقييم العلاقة بين الزيادة في معدل الإصابة بسرطان الغدة الدرقية والتلوث الإشعاعى على النطاق القارى من تأثير اليود-131، وهو نظير مشع تم إطلاقه بكميات كبيرة أثناء التجارب النووية التى أجريت في موقع التجارب الأمريكى الرئيسى، فى صحراء نيفادا، وهو يغطى مساحة ما يقرب من 3500 كيلومتر مربع، من الأراضى الصحراوية والجبلية.

الطاقة المنبعثة من التفجيرات النووية، مصدرها عمليتين مختلفتين، وهما: الانشطار النووى لليورانيوم 235 أو البلوتونيوم 239، فى تفاعل متسلسل. والاندماج النووى لنظائر الهيدروجين “الديوتيريوم والتريتيوم”، فى عملية نووية حرارية.

يؤدى تفجير الأسلحة النووية فوق سطح الأرض إلى صعود مواد مشعة للغلاف الجوى، يصل ارتفاعها إلى 80 كيلومتر. ثم تتساقط الجزيئات الكبيرة من المواد المشعة على سطح الأرض بالقرب من موقع التجارب، لكن الجزيئات الأخف والغازات، ترتفع إلى الغلاف الجوى العلوى. وبعد فترة وحسب حالة الرياح والطقس تبدأ هذه الجزيئات فى التساقط من الغلاف الجوى إلى الأرض. ويمكن أن ينتشر تساقط هذه الجزيئات فى جميع أنحاء العالم، كما يمكن أن تستمر المواد المشعة فى الغلاف الجوى لعدة سنوات، وتتساقط تدريجياً على الأرض، أو تعود إلى سطح الأرض عن طريق هطول الأمطار. مسار هذا التساقط يعتمد على حالة الرياح والطقس.

الجزيئات المشعة المتساقطة من الغلاف الجوى تحتوى عادةً على مئات من النويدات المشعة المختلفة. يبقى البعض منها فى البيئة لفترة طويلة، لما لها من نصف عمر طويل، مثل السيزيوم-137، الذى يبلغ نصف عمر 30.17 سنة. وبعضها لديه نصف عمر قصير جداً ويتلاشى فى غضون بضع دقائق أو بضعة أيام، مثل اليود-131، الذى يبلغ نصف عمره 8 أيام. حتى الآن، لا يزال من الممكن اكتشاف القليل جداً من النشاط الإشعاعى الناتج عن تجارب الأسلحة فى الخمسينيات والستينيات فى البيئة.

إن الأضرار البيئية الجسيمة التي سببتها التجارب النووية، كانت منطلق لأول نموذج للتعاون الدولى على نطاق واسع للقضاء على تجارب الأسلحة النووية. فقد كان عام 1963 علامة فارقة مع بدء معاهدة الحظر المحدود للتجارب النووية (LTBT)، وهى معاهدة تنص على حظر تجارب الأسلحة النووية في جميع البيئات العالمية، باستثناء تحت الأرض. فقد كان للمعاهدة تأثير حقيقى فى الحد من النظائر المشعة فى الغلاف الجوى فى نصفى الكرة الأرضية من عام 1963 فصاعداً، على الرغم من عدم توقيعها من قبل دولتين رئيسيتين – فرنسا والصين – حيث واصلت تجارب أسلحتها النووية فى الغلاف الجوى.
كان دخول معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT حيز التنفيذ فى عام 1968، التى تحظر التسلح النووى لجميع دول العالم، باستثناء القوى النووية الخمس، خطوة رئيسية أخرى فى الجهود المبذولة لإنهاء سباق التسلح النووى واختبار الأسلحة النووية بشكل غير مباشر. إلا أنه قد ظهرت دول، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، حيث قامت بإجراء بعض تجارب أسلحة نووية خاصة بها.
في عام 1996، بدأت مرحلة جديدة في وقف جميع أنواع التجارب النووية، باعتماد الأمم المتحدة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية CTBT. ومع ذلك، فإن العدد الكبير من تجارب الأسلحة النووية التى أجريت فى الغلاف الجوى وتحت الأرض خلال الفترة من 1945 إلى 2017 (آخر تجربة نووية أجرتها كوريا الشمالية) كانت مسؤولة عن التلوث البيئى الحالى بالنفايات المشعة، مما أدى إلى تدمير مواقع التجارب بيئياً واجتماعياً، بسبب المستويات العالية من النشاط الإشعاعى.
الآن، هناك ما يقرب من 15000 سلاح نووى فى العالم، تقع فى حوالى 107 موقع فى 14 دولة. ما يقرب من 9400 من هذه الأسلحة هى فى الترسانات العسكرية. ما تبقى من الأسلحة هى فى التقاعد وتنتظر التفكيك. ما يقرب من 4000 سلاح متوفر للعمليات، وهناك 1800 سلاح فى حالة تأهب قصوى وجاهزة للاستخدام فى غضون مهلة قصيرة. قيام حرب نووية سوف تقضى على سكان المدن المستهدفة بالقنابل النووية، لكن تأثيرها سوف يشمل سكان كوكب الأرض، فالغبار النووى الناتج من تفجير القنابل النووية سوف يؤدى إلى فناء ما تبقى من سكان كوكب الأرض، والغبار النووى سوف يؤدى إلى حجب ضوء الشمس، وبالتالى تنخفض درجة حرارة سطح الأرض، وتختفى طبقة الأوزون وتزداد نسبة الأشعة المدمرة والمهلكة القادمة من الفضاء الخارجى لكى تقضى على ما تبقى من الكائنات الحية.

خطورة التجارب النووية، أنها تتم فى السر، فهى بعيدة عن المراقبة، والإدراك المؤخر أظهر لنا الآثار المروعة والمفجعة للتجارب النووية. فهل المآسى البشرية والبيئية الناجمة عن التجارب النووية هى أسباب مقنعة للحاجة إلى الاحتفال باليوم الدولى لمناهضة التجارب النووية ؟. الرد، لن يجدى الاحتفال بهذا اليوم فى إيقاف التسلح النووى. لان الحل هو، إيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، نحو تحقيق عالم أكثر أمنا. وهذا يستدعى أن يكون لدى الدول النووية اقتناع بأن نزع السلاح النووى والإزالة التامة للأسلحة النووية، هى الضمان المطلق الوحيد ضد استخدام أو التهديد بالأسلحة النووية.

مقالات ذات صلة

رأيك يهمنا شارك الان

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق