تشهد التحولات في آسيا الوسطى، تصاعدًا ملحوظًا في ديناميكيات النفوذ الإقليمي، حيث باتت هذه المنطقة هدفًا للمنافسة على عدة جبهات بين طِهران وآنقرة ومن ورائهم القِوَى العظمى، في ظل تضارب المصالح التركية والإيرانية في الإقليم؛ إذ يمثل تنافس تركيا وإيران على آسيا الوسطى معركة استراتيجية متعددة الأبعاد، تحمل في طياتها مكونات ثقافية واقتصادية وجيوسياسية.
وبينما تسعى تركيا إلى استغلال أواصر الهُوِيَّة والترابط الثقافي مع الدول التركمانية لتوسيع نفوذها عبر جسر صُلْب نحو القارات، تحاول إيران استثمار الروابط التاريخية والدينية والجغرافية والاقتصادية، ضمن إطار يحافظ على مكانتها التقليدية ونفوذها في المفترق الجغرافي، الذي يُعد محورًا للطاقة والتجارة، مدفوعة بدعم روسي صيني لمواجهة القومية التركية الصاعدة بشدة في الإقليم؛ وقد ألقى الشد والجذب بين طِهران وآنقرة في آسيا الوسطى على العلاقات الثنائية بين البلدين، ما بين تقارب وتصادم في المصالح المختلفة في الإقليم.
فكيف يمكن قراءة الأهمية الجيوسياسية لإقليم آسيا الوسطى في حسابات السياستين التركية والإيرانية؟ ماذا عن الاستراتيجية التركية في الإقليم ودور الولايات المتحدة فيها؟ وكيف يمكن قراءة الاستراتيجية الإيرانية والدعم الصيني والروسي للتحركات الإيرانية في الإقليم؟ ماذا عن أثر التنافس التركي الإيراني في الإقليم على العلاقات بين البلدين ونقاط الالتقاء والاختلاف بين البلدين في آسيا الوسطى؟ وفي ظل الصراع الجيوسياسي الحالي كيف يمكن قراءة مستقبل النفوذ التركي والإيراني في آسيا الوسطى؟
يسلط “موقع ع المكشوف”، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على؛ الصراع التركي الإيراني في إقليم آسيا الوسطى وآلياته المختلفة ودور القِوَى العظمى في التنافس الحالي وأثره على العلاقات الثنائية بين البلدين؛ في هذه السطور الأتية.
الأهمية الجيوسياسية لإقليم آسيا الوسطى في حسابات السياستين التركية والإيرانية
يُعد التنافس على المصالح الجيواقتصادية، أحد الجوانب البارزة في المواجهة بين إيران وتركيا في إقليم آسيا الوسطى، وأهم تجلياته هو التحدي المُتعلق بخطوط نقل الطاقة من آسيا الوسطى والقوقاز، وأسواق الاستهلاك الأوروبية والتبادلات التجارية والاستثمارات في المجالات الرئيسية، ومسارات مشروع الحزام والطريق الصيني المارة بالإقليم، والمشروعات الاقتصادية الكبرى بالمنطقة. (1)
فبعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان خلال العام 2021م، وانضمام إيران رسميًا إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وصعود النفوذ التركي خاصة مع الحرب الأرمينية الأذربيجانية العام 2020م، وتعاظم دور منظمة الدول التركية في القوقاز وآسيا الوسطى؛ ألتفت العالم بأسرة لمنطقة آسيا الوسطى وأعادت القِوَى الإقليمية والدولية ترتيب أولويات تحركاتها في الإقليم، في ظل مشروعات الطاقة والموارد المعدنية في المنطقة والتي تشهد طلبًا عالميًا متزايدًا.
حيث تضم دول المنطقة (كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان)، والتي تتمتع جميعها بموارد وثروات طبيعية محورية للاقتصاد العالمي المعاصر، فضلًا عن؛ الموقع الجغرافي الرابط بين بلدان أوروبا الشرقية وجنوب آسيا، فعلى المستوى الجيواقتصادي؛ يقع إقليم آسيا الوسطى على تماس مباشر مع روسيا والصين وإيران، ويطل على شبه القارة الهندية كما ويغطي الإقليم مساحة تفوق الـ4 ملايين كيلومتر مربع، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة والاتحاد الروسي إلى إقامة قواعد عسكرية لحماية مصالحهم بتلك الدول، إذ تنتشر نحو 8 قواعد عسكرية للقوى الدولية المختلفة في الإقليم. (2)
كما ويلعب الموقع الجغرافي للإقليم أيضًا، دورًا محوريًا في مشروعات الطاقة الحالية والمستقبلية، لنقل النفط والغاز والكهرباء من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا والقوقاز؛ وفي ظل الأزمات المتتالية التي تطال الاقتصاد الإيراني، وجدت إيران في دول آسيا الوسطى عاملًا أساسيًا في تغيير أوضاعها الجيوسياسية، خاصة مع تفكك الاتحاد السوفيتي العام 1991م، واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية.
إذ ترى السياسة الإيرانية، أن علاقاتها بدول الإقليم ستُمكنها من الالتفاف على العقوبات الغربية، عبر الانخراط في مشروع الحزام والطريق الصيني، من خلال استغلال جغرافية دول آسيا الوسطى الحبيسة عن البحار المفتوحة، ومن ثم؛ تسعى إيران إلى أن تصبح منفذًا لدول الإقليم إلى المياه الدولية وإلى العالم بالتبعية، وبالتالي؛ تخلق إيران عمقًا استراتيجيًا في إقليم آسيا الوسطى.

ولذا؛ تُعد آسيا الوسطى في حسابات السياسة الإيرانية محورًا جيواقتصاديًا هامًا يُتيح لها تنويع مصادر طاقتها واقتصادها، وتوسيع نطاق علاقاتها التجارية إقليميًا ودوليًا، وتعزيز مكانتها الاستراتيجية عالميًا في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية؛ وترى الحكومة الإيرانية أن تطوير شراكات اقتصادية وبُنى تحتية مشتركة مع دول المنطقة، يُمكن أن يساهم في إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية على مستوى أوسع، مما يُمهد الطريق لتعزيز الأمن الاقتصادي وإعادة توزيع نفوذ القِوَى الإقليمية.
أما فيمَا يتعلق بالسياسة التركية؛ فتتعدد الأبعاد الاستراتيجية للسياسات التركية تجاه دول آسيا الوسطى، لتجمع بذلك بين، عوامل ثقافية وجيوسياسية واقتصادية، تُمكّن تركيا من توسيع نفوذها في المنطقة والعمل على إعادة رسم معادلات القِوَى الإقليمية؛ حيث تتمتع دول آسيا الوسطى بطابع ثقافي ولغوي وتركي مشترك مع تركيا، إذ يُعود تاريخ هذا الرابط إلى القرون التي شهدت هجرات ومستوطنات تركية في المنطقة، خاصة مع صعود الدولة السلجوقية خلال القرن الـ11 الميلادي. (3)
وتُعتبر هذه العوامل، أساسًا لتأسيس جسور ثقافية ودبلوماسية، مما يُسهم في دعم مبادرات تركيا لتعزيز الوحدة بين الشعوب التركية عبر آليات مثل منظمة الدول التركية؛ وهذا الترابط الثقافي، يُتيح لتركيا استخدام القوة الناعمة في التأثير على السياسات المحلية للدول المستهدفة، وتعزيز حضورها في الإقليم؛ كما وتسعى تركيا لاستغلال الموقع الجغرافي للإقليم، لتصبح جسرًا يربط بين الشرق والغرب، وبالتالي؛ استعادة نفوذ تاريخي يتحدى النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.
وفي هذا السياق؛ تُسهم العلاقات مع دول آسيا الوسطى في إعادة تشكيل موازين القِوَى الإقليمية، بما يتماشى مع رؤية سياسة خارجية أكثر حيوية وتوازنًا، ولا تقتصر أهمية آسيا الوسطى في حسابات السياسة التركية على المحاور الاقتصادية والثقافية فحسب، بل تتجاوزها أيضًا إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية؛ حيث تسعى تركيا من خلال علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، إلى خلق توازن جيوسياسي يستند إلى النفوذ الناعم والعلاقات الثابتة التي ترتكز على الهُوِيَّة والتاريخ المشترك.
كما تُستخدم هذه العلاقات، كأداة للضغط الدبلوماسي في مواجهة تحديات إقليمية وكبرى، سواء تلك المتعلقة بروسيا أو الصين، مما يُعزز من موقف تركيا كفاعل إقليمي رئيسي قادر على لعب دور وساطة وتحجيم النفوذ الخارجي في المنطقة، وبالتالي؛ فإن إقليم آسيا الوسطى يُعد ساحة حاسمة في الحسابات الاستراتيجية التركية والإيرانية، حيث تجمع طِهران وآنقرة بين عوامل التآزر الثقافي والروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية، وتوفر إمكانيات اقتصادية واسعة وموقعًا جغرافيًا متميزًا، ما يمكّن تركيا وإيران من إعادة هيكلة نفوذهما الإقليمي ومواجهة القِوَى الكبرى المنافسة.
الاستراتيجية التركية في آسيا الوسطى وآلياتها المختلفة في ظل الدعم الأمريكي
تعمل تركيا كوكيلًا عن القوى الغربية في توسيع نفوذ الرأسمالية الليبرالية من أوروبا الشرقية مرورًا بالقوقاز وآسيا الوسطى، فبعد سوريا وليبيا وشرق المتوسط والبحر الأسود، تطمح آنقرة لتوسيع تحالفاتها الجيوسياسية في الإقليم، حتي تثبت لواشنطن أنها جديرة بأن تكون الحليفة الأساسي لها في المنطقة؛ وعلى الرغم من عدم وجود ارتباط جغرافي بين تركيا ودول آسيا الوسطى، فإن ذلك لم يمنع تركيا من استخدام الأدوات الأيديولوجية والثقافية والاقتصادية، للتوغل داخل المنطقة وتنفيذ أجندتها. (4)
حيث بدأت تركيا في نسج علاقاتها بدول المنطقة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال بلدان آسيا الوسطى، إذ سارعت آنقرة إلى تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية معها، الأمر الذي هدفت تركيا من خلالة إلى التحرك الاستباقي للاستفادة من صراع النفوذ على المنطقة، ومن هنا؛ برزت أدوات الاستراتيجية التركية والتي جمعت بين التاريخ والقومية والثقافة والدين.

فظهرت منظمة الدول التركية، ومديرية الشئون الدينية التركية والتي توسع دورها خارجيًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لتؤسس لعلاقات على المستوى الشعبي بين الشعب التركي وشعوب القوقاز وآسيا الوسطى، حتى باتت الوسيلة الأساسية للنفوذ التركي في المنطقة؛ كما وأن الدور الأمريكي في دعم التحركات التركية في آسيا الوسطى، يظهر بطريقة غير مباشرة.
إذ تُسهم السياسات الأمريكية الهادفة إلى تعزيز الإصلاحات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والحوكمة الرشيدة والعلمانية الاجتماعية، في خلق بيئة مؤاتية للدول ذات الهوية والثقافة التركية، بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية في إقليم آسيا الوسطى؛ ففي إطار سعيها لتعزيز الاستقرار ومنافسة النفوذ الروسي والصيني، قدمت الولايات المتحدة مجموعة من البرامج التعليمية والتدريبية والمساعدات الاقتصادية والتنموية، والتي تُسهم في بناء المؤسسات المدنية داخل الدول الآسيوية ذات الروابط التاريخية والثقافية مع تركيا. (5)
وجرت الإسهامات الأمريكية في سياق المنظمات والمؤسسات التي رعتها الحكومة التركية في بلدان آسيا الوسطى، وعلى مستوى السياسات العامة؛ يُلاحظ أن دعم الولايات المتحدة يُنعكس أيضًا من خلال أطر التعاون الأمني والدبلوماسي، خاصةً عبر منصات مثل حلف شمال الأطلسي وغيرها من المنتديات الدولية، والتي تضم تركيا كعضو حيوي، ففي هذا السياق؛ تؤمن واشنطن بأن تعزيز النظم الديمقراطية الليبرالية في آسيا الوسطى، والتي تتماشى مع النموذج التركي في بعض جوانبه، يساعد في تحقيق التوازن الإقليمي ومواجهة الضغوط الناجمة عن النفوذ الروسي والصيني، مما يمنح تركيا مجالاً أوسع لتعزيز تواجدها في المنطقة.
كما أن الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف التي تُقيمها الولايات المتحدة مع تركيا، ترتكز على تبادل المصالح الأمنية والاقتصادية والتجارية؛ فمن خلال دعم برامج التدريب والمساعدات التقنية والاقتصادية في الدول الآسيوية المجاورة، يتم تمهيد الطريق لنقل الخبرات وتحقيق تطوير تطلعي يتماشى مع نهج تركيا في استغلال الروابط التاريخية واللغوية والثقافية في آسيا الوسطى.
الاستراتيجية الإيرانية والدور الروسي والصيني في دعم تحركات طهران في الإقليم
في حين؛ أن السياسة الإيرانية سعت إلى أن تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن الإقليمي، عبر الوقوف ضد محاولات القِوَى الإقليمية والدولية الأخرى لاكتساب نفوذ ثقافي واقتصادي وأيديولوجي في محيط إيران الجيوسياسي في آسيا الوسطى وبحر قزوين، ومن هذا المنطلق السياسي؛ انتهجت إيران استراتيجية مختلفة في التعامل مع آسيا الوسطى عن استراتيجيتها المتبعة في منطقة الشرق الأوسط.
فبدلًا من محاولة تصدير الثورة الإيرانية الخمينية إلى دول آسيا الوسطى، ركزت طهران على تقديم المساعدات المالية والتقنية وتوسيع دائرة العلاقات الثقافية، كمحاولة للتقارب مع دول آسيا الوسطى القلقة من الحكم الطائفي في إيران؛ حيث اعتمدت إيران في استراتيجيتها في إقليم آسيا الوسطى على عدة أدوات، منها استغلال الأبعاد الثقافية والدينية المشتركة، والامتدادات الديموغرافية للقومية التركية والتركمانية، للتقارب من دول الإقليم.
غير أن تلك التحركات كان هدفها الاستراتيجي الأكبر طويل المدى متمثلًا في كسر حاجز العقوبات الاقتصادية والعزلة المفروض على إيران من قبل الولايات المتحدة والقوى الغربية، ما اعتبر محاولة إيرانية لفتح أسواق اقتصادية جديدة في الإقليم، تتلاقى فيها المصالح الاقتصادية والتجارية لإيران ودول المنطقة مع روسيا والصين.
هذا إلى جانب؛ انتهاج إيران للواقعية السياسية والبراغماتية النفعية في التعامل مع دول الإقليم، بغرض تقوية شبكة المصالح المتبادلة بين الجانبين؛ كما واستغلت إيران موقعها الجغرافي باعتبارها تُمثل ممرًا أمننًا لدول آسيا الوسطى للبحار المفتوحة في الخليج العربي وبحر عمان، ولكونها تمتلك شواطئ مشتركة مع كازاخستان وتركمانستان والاتحاد الروسي على بحر قزوين الغني بالموارد الطبيعية. (6)
فإيران تُمثل الطريق الأسرع والأكثر أمانًا والأقل تكلفة، نحو الأسواق الدولية لاقتصادات دول آسيا الوسطى، وفي هذا السياق؛ ترى موسكو في دعم التحركات الاقتصادية الإيرانية، فرصة لاستغلال علاقاتها التاريخية والطاقية مع دول آسيا الوسطى، وهي منطقة طالما اعتمدت عليها روسيا في تأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية؛ فروسيا تسعى من خلال آليات مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنتديات التعاون الإقليمي، إلى خلق بيئة اقتصادية مواتية تُتيح تنسيق تدفقات الطاقة والتجارة من أراضي الاتحاد الروسي، وصولًا إلى سواحل المحيط الهندي وبحر العرب، مرورًا بإقليم آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
وفي ظل التحديات التي يفرضها تعدد الأطراف في المنطقة، تُعتبر روسيا المشاريع الإيرانية كالتركيز على الربط بين الموارد والطرق التجارية المهمة، مكملة لاستراتيجيات موسكو في تعزيز التجانس الاقتصادي والأمني، مما يُساهم في استقرار النظام التقليدي الذي يسعى الكرملين للحفاظ عليه.
أما الصين؛ فتعمل على دمج إيران ضمن إطار مبادرتها الطموحة “الحزام والطريق”، التي تُعيد تشكيل خرائط التجارة والاستثمار في آسيا الوسطى؛ إذ تُعتبر دولة نابضة بالحياة من حيث الاستثمارات في البنية التحتية، حيث تقوم بتمويل وبناء مشروعات نقل وشبكات لوجستية تربط إيران بدول آسيا الوسطى.
ويهدف هذا الدعم، إلى خلق جسور اقتصادية جديدة تُعزز من الربط بين الأسواق وتسهّل تدفق البضائع والطاقة، مما يُساهم في استحداث منظومة اقتصادية متكاملة تخدم مصالح الصين الاستراتيجية في التنوع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على الطرق التقليدية المُهيمنة من قِبل قوى أخرى.
ليتضح بذلك، أن الدعم الروسي والصيني للتحركات الإيرانية في الإقليم، ليس مجرد مسألة تعاون اقتصادي بحت، بل هو جزء من رؤية جيوسياسية أوسع تُسعى فيها كل من موسكو وبكين إلى ترسيخ نفوذهما في قلب آسيا الوسطى؛ فمن خلال دعم تلك التحركات، تُسهم كلٌّ من روسيا والصين في خلق نظام إقليمي يُوازن بين المصالح المتعددة، حيث يُمكن أن يُستَخدم التعاون الاقتصادي في إيران كأداة لتقوية الاتصالات التجارية والطاقة بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، دون الإخلال بالتوازن القائم في المنطقة أو تحدي النفوذ التقليدي للموجودين هناك.
العلاقات التركية الإيرانية في ظل التنافس الحالي في آسيا الوسطى ونقاط الالتقاء والاختلاف
لا تخلوا المنافسة التركية الإيرانية في إقليم آسيا الوسطى من التأثير على العلاقات بين الجانبين؛ إذ تتقاطع مصالحهما في مجالات عدة مع بروز اختلافات أيديولوجية واستراتيجيات تسعى إلى تفرد الطريق المناسب لكليهما في المنطقة، وعلى الرغم من حدة المنافسة في بعض المجالات، تحتفظ العلاقات بين البلدين بطابع عملي قائم على مبدأ المصلحة المشتركة؛ فكل منهما يتفهم أنه لا مفر من التعامل في ظل التعددية الجيوسياسية التي تُفرضها التحديات الخارجية، خاصة مع تدخل قوى إقليمية وعالمية مثل روسيا والولايات المتحدة. (7)
وقد أدى ذلك إلى بعض التجاذبات الدبلوماسية، وفي وقت لاحق، إلى آليات للتنسيق أو تقليل التوتر عند التقاء المصالح الاقتصادية، مثل قضايا الطاقة والتجارة والبنية التحتية؛ كما أن العلاقة تُظهر بعداً تكاملياً في بعض الأحيان، حيث يتم التحاور حول آليات تضمن توازن النفوذ دون أن تتحول المنافسة إلى صدام حقيقي، مما يعكس درجة عالية من البراغماتية في السياسة الخارجية لكلا الدولتين.
لتبرز قنوات الحوار المباشر والتنسبق الثنائي؛ إذ يسعى الجانبان إلى إقامة قنوات اتصال دائمة لتبادل وجهات النظر وتحديد نِقَاط الالتقاء، وهذا الحوار يسهم في ضبط المواقف وتفادي تفاقم الخلافات التي قد تؤدي إلى تصعيد النزاع، إذ أن السنوات الأخيرة، قد شهدت تصعيدًا متبادل على المستوى الدبلوماسي والثقافي والاقتصادي بين البلدين، خاصة عقب الحرب الأرمينية الأذربيجانية 2020م.
فخلال اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا، تصاعدت التصريحات الدبلوماسية الحادة من كلا الجانبين؛ إذ عبرت تركيا عن رؤيتها المتشددة في استعادة الهمينة الثقافية والاقتصادية بين الشعوب ذات الأصل التركي، في حين؛ كان الرد الإيراني بتوجيه انتقادات لاذعة حول التدخل في الشئون الداخلية لتلك الدول، وإعادة تشكيل الأدوات الثقافية بما يتماشى مع رؤيتها التقليدية. (8)
وهذا التنافس على البعد التاريخي والجوانب الثقافية والإعلامية، قد أدت إلى رفع مستوى التصعيد ضمن المجال الإعلامي والتوعوي؛ حيث تنقل وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، تصريحات وإشارات متبادلة تصور الأخر محاولًا فرض نموذج ثقافي وهوية قومية معينة؛ إذ تُعد هذه المشاحنات المتبادلة، أحد أمثلة التصعيد الذي يستخدم لتأكيد السيادة والنفوذ، ليتضح بذلك أن التصعيد التركي الإيراني يتخذ أشكالًا متعددة.
فهو لا يقتصر على التصريحات الحادة، بل يمتد إلى محاولات فرض النفوذ عبر بناء وتقوية أسس الدعم الثقافي والاقتصادي والأمني في آسيا الوسطى؛ ورغم هذه الخطوات التصعيدية، يبقى الطرفان يتبنيان مواقف براغماتية لتجنب الانزلاق نحو صدام مباشر، حفاظًا على نمط توازن القوى الإقليمي.
مستقبل التوازنات الإقليمية في آسيا الوسطى في ظل التنافس التركي الإيراني في الإقليم
وفي ظل مشهد التنافس التركي الإيراني الحالي في إقليم آسيا الوسطى، يمكن القول؛ إن مستقبل التوازنات الإقليمية يتجه نحو نموذج تعددي، يعتمد على مزيج من المنافسة البراغماتية والتعاون الجزئي، حيث يُحاول اللاعبون الإقليميون تبني مواقف وسطية تضمن لهم الاستفادة القصوى من التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، دون الانزلاق نحو مواجهات مباشرة؛ في ظل الدور البارز للقوى العظمى روسيا والصين والولايات المتحدة في المنطقة.
وبالتالي؛ ستظل آسيا الوسطى في المستقبل منطقة جذب لعدة قوى خارجية، منها روسيا والصين والولايات المتحدة؛ وهذا التداخل المتعدد سيعزز من تعددية الخيارات أمام الدول المحلية؛ فالمنافسة بين تركيا وإيران تشكل بعدًا إضافيًا يُضيف إلى اللوحة المُتغيرة تأثيرًا ناعماً قائمًا على الأدوات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية، بدلاً من الصراعات العسكرية المباشرة؛ ومع تنوع مصادر النفوذ، ستتمكن الدول الآسيوية من الابتعاد عن تبعية جهة واحدة وتحقيق مزيد من المرونة في صياغة سياساتها الداخلية والخارجية.
الخلاصة:
-خلال العقود الأخيرة، ومع تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال دول آسيا الوسطى، والطموحات الجيواقتصادية للقوى الإقليمي والدولية في آسيا الوسطى؛ برز التنافس المحتدم بين تركيا وإيران والدعم المقدم للطرفان من قبل الولايات المتحدة والصين وروسيا، على خريطة النفوذ في منطقة آسيا الوسطى؛ حيث تتحرك طهران وآنقرة من منطلقات وآليات متعددة لتوسيع خريطة النفوذ الجيوسياسي في المنطقة، إذ تتعاظم الأهمية الجيواستراتيجية لإقليم آسيا الوسطى في الحسابات التركية والإيرانية، في ظل مصالح متعارضة بين الجانبين؛ ليبقى المشهد الحالي في العلاقات التركية الإيرانية بين شد وجذب، ومع احتدام التنافس بين الطرفين والدور الرئيسي للقوى العظمى في المنطقة؛ فإن دول آسيا الوسطى باتت أمام فرصة مواتية للاستفادة من الشهد الحالي، وتنويع تحالفاتها وشراكاتها الجيواستراتيجية بما يحقق المصالح التنموية لدول الإقليم.
المصادر
(2)المركز المصر للفكر والدراسات الاستراتيجية
(4)مركز الدراسات العربية الأوراسية
(6)مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
(7)مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
(8)مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة





