مقالاتمقالات

حسام السيد النجار يكتب “أثر التقارب الأمريكي الروسي على العلاقات بين طِهران وموسكو في ظل مخاوف إيرانية متزايدة من انعكاسات سلبية”

أثر التقارب الأمريكي الروسي على العلاقات بين طِهران وموسكو في ظل مخاوف إيرانية متزايدة من انعكاسات سلبية

يشهد المشهد الجيوسياسي العالمي تحولًا واسع النطاق، مع تزايد تقارب الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما يخلق معادلات جديدة لها تأثيرات عميقة على العلاقات بين طِهران وموسكو؛ ففي ظل هذا التقارب، تتزايد مخاوف القيادة الإيرانية من انعكاسات سلبية قد تُضعف من موقعها الاستراتيجي، إذ ترتبط علاقاتها مع موسكو ارتباطًا وثيقًا بمصالحها في مواجهة الضغوط الغربية.

خاصة مع توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين طِهران وموسكو والاتفاقيات الاقتصادية والطاقية والتجارية بين البلدين؛ إذ وجدت إيران في العقوبات الغربية على روسيا، فرصة لتعزيز تحالفاتها مع الكرملين والحد من تأثير العقوبات الغربية على اقتصادها؛ وفي ظل المشهد الحالي، تتصاعد المخاوف الإيرانية حول الأثار المترتبة للتقارب الروسي الغربي على العلاقات بين روسيا وإيران.

فكيف يكمن قراءة تطور العلاقات الروسية الإيرانية خلال الحرب الروسية الأوكرانية؟ وكيف استفادت إيران من انهيار العلاقات الاقتصادية الروسية الغربية؟ ماذا عن التقارب الروسي الأمريكي ومفاوضات البرنامَج النووي الإيراني؟ وكيف يمكن قراءة أثر التقارب الروسي الأمريكي على العلاقات الروسية الإيرانية؟ وفي ظل التطورات الحالية كيف يبدو مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية؟

يسلط موقع “ع المكشوف”، في هذا التقرير عبر دراساته وتحليلاته المختلفة الضوء على؛ أثر التقارب بين روسيا والولايات المتحدة على العلاقات الروسية الإيرانية في ظل استفادة إيران من انهيار العلاقات الاقتصادية بين روسيا والغرب وتطور العلاقات الروسية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة؛ في هذه السطور الأتية.

تطور العلاقات الروسية الإيرانية خلال الحرب الروسية الأوكرانية

خلال سنوات الحرب الروسية الأوكرانية والتي بدأت في الـ24 من فبراير 2022م، شهدت العلاقات بين الاتحاد الروسي وإيران، تطورات سريعة وتحولات استراتيجية؛ حيث انعكس الصدام الغربي الروسي وانهيار العلاقات الاقتصادية الروسية الغربية، على إعادة صياغة معادلات التعاون بين روسيا وإيران؛ إذ تعود جذور التعاون بين موسكو وطهران إلى تقاسمهما رغبةً مشتركة في مواجهة الهيمنة الغربية والتخفيف من آثار العقوبات الدولية.

فمع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الحظر الاقتصادي على روسيا، ازدادت الحاجة إلى البحث عن شركاء بديلين لتعويض الفجوة الناتجة عن انهيار العلاقات الاقتصادية مع الغرب؛ وهنا برزت إيران كلاعب أساسي، إذ اعتبرت روسيا العِلاقة معها وسيلةً حيوية لتعزيز قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية.

فعلى الصعيد السياسي والاستراتيجي؛ انسجمت مواقف موسكو وطهران في عدة منتديات دولية وعبر قنوات ثنائية، فقد سعت الدولتان إلى تنسيق مواقعهما في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن الدَّوْليّ والأمم المتحدة، لتقديم بديل للتدخل الغربي في شؤون المنطقة؛ كما استغل الطرفان الحرب الأوكرانية لتأكيد استقلالهما عن الأجندات الأمريكية؛ حيث أصبحت إيران تدعم روسيا سياسيًا وعسكريًا، في إطار سعيهما المشترك للحد من نفوذ الناتو والولايات المتحدة في الشؤون الإقليمية. (1)

وفي ظل العقوبات المفروضة على روسيا، انفتحت قنوات جديدة للتجارة مع إيران، خاصة في مجالات الطاقة والسلع الضرورية والتكنولوجيا العسكرية؛ حيث أصبحت إيران مصدرًا مهمًا للمواد الخام والمنتجات الصناعية التي تحتاجها روسيا لتجاوز الضغوط الغربية، فيما استفادت إيران من هذه العِلاقة لتحقيق مكاسب اقتصادية بديلة، كما أعُيد توزيع أسواق الطاقة مع تحول بعض الشركاء التجاريين نحو القنوات الشرقية، مما أتاح للطهران وموسكو إعادة ترتيب ميزاتهما الاقتصادية في ظل نظام عالمي متحول.

وعلى الصعيد العسكري، شهد التعاون بين روسيا وإيران تقاربًا واضحًا؛ إذ تبادل البلدان الخبرات والمعدات والتقنيات في بعض المجالات، إضافةً إلى تقديم الدعم اللوجستي والعسكري في بعض الأحيان في سياقات إقليمية مثل الصراع في سوريَا، وهذا التآزر لم يأتي فقط نتيجة للتحديات الاقتصادية، بل كان أيضًا استجابةً لحاجتهما الماسة لبناء جبهة استراتيجية تضمن لهما بقاء تأثيرهما في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. (2)

ويمكن القول؛ إن الحرب الروسية الأوكرانية قد أظهرت أن العِلاقة بين روسيا وإيران قد تطورت لتصبح أكثر شمولًا على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، مدفوعةً برغبة مشتركة في مواجهة الضغوط الغربية وإعادة ترتيب المعادلات الدولية؛ ورغم التحديات المحتملة، فإن هذا التقارب يشكل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لكلٍ من موسكو وطهران في مواجهة عالم متغير.

انهيار العلاقات الروسية الغربية وأثره الإيجابي على العلاقات الروسية الإيرانية

فكان من اللافت توقيع موسكو وطهران سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات الاستراتيجية بين البلدين، والتي هدفت إلى تعميق أوجه التعاون في مختلف المجالات الحيوية، فعلى صعيد اتفاقيات التعاون الدفاعي والعسكري؛ فقد هدفت موسكو وطهران إلى تأمين توريد وتسويق تقنيات وأنظمة أسلحة غير تقليدية، مثل الطائرات بدون طيار ومنظومات الصواريخ والمسيرات الإيرانية، والتي قد ظهر بعضها في ساحات المواجهات الروسية الأوكرانية في شرق وجنوب أوكرانيا.

كما وركزت الاتفاقيات العسكرية على تبادل الخبرات والتكامل في المجالات الدفاعية لمواجهة ضغوط العقوبات التي تواجهها روسيا وإيران، وتضمنت بنود الاتفاقيات العسكرية بين الجانبين، التزام الطرفين بنقل التكنولوجيا العسكرية الحيوية، بما يُمكن روسيا من مواصلة عملياتها في ساحة النزاع رغم الضغوط الخارجية، وترتيب آليات للتوريد المشترك والصيانة والتطوير التقني للأنظمة الدفاعية، مما ساعد على تحسين القدرات العملية للقوات العاملة في المجالات ذات العِلاقة. (الشرق للأخبار)

وكان للاتفاقيات العسكرية بين إيران وروسيا، أثرها على إيران المتمثل في فتح مجالات جديدة للتعاون وآفاقًا لتصدير التقنيات العسكرية الإيرانية، والتي أصبحت تمثل مصدر دخل بديل للاقتصاد الإيراني في ظل القيود الاقتصادية الدولية، و عسكريًا؛ عززت هذه الاتفاقيات من مكانة إيران كلاعب رئيسي في سوق الأسلحة غير التقليدية، مما رفع من قدرتها التصنيعية والتصديرية في هذا المجال.

ودبلوماسيًا؛ جاء هذا المسار ليضع طِهران أمام انتقادات دولية متزايدة، مُثبّتةً في الوقت نفسه موقفها المتمرد في مواجهة الهيمنة الغربية، في حين هدفت اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتجاري بين موسكو وطهران، إلى تعزيز العلاقات التجارية الثنائية لمواجهة الانكماش في العلاقات الاقتصادية بين روسيا والغرب.

إلى جانب؛ تفعيل قنوات التبادل التجاري المباشر في ظل القيود والعقوبات، خاصةً في مجالات الطاقة والسلع الاستراتيجية، حيث ركزت بنودها على إبرام ترتيبات لدفع التعاملات بالعملات المحلية أو بآليات تحويل بديلة لتجنب القيود المفروضة على النظام المالي العالمي، و توقيع اتفاقيات في مجال الطاقة تشمل تبادل النفط والغاز، والتعاون في مشاريع البنية التحتية للطاقة، بحيث تؤمن للإيرانيين وصولهم للأسواق الروسية وتتيح تبادل الخبرات التقنية. (3)

فقد مكّنت الاتفاقيات الاقتصادية إيران من تحييد جزء من آثار العقوبات الغربية عبر فتح أسواق جديدة وتعزيز الصادرات، مما ساهم في استقرار الإيرادات الوطنية إلى حدٍ ما، كما وساهمت تلك الاتفاقيات في تنويع الشراكات الاقتصادية، مما أعطى طِهران نفوذًا أكبر في ميادين التجارة والطاقة وبالرغم من الضغوط الخارجية، إلا أنها أدت أيضًا إلى تعزيز صورة إيران كشريك اقتصادي استراتيجي مع روسيا، الأمر الذي خلق حذرًا لدى الدول الغربية والتي ترى في ذلك فرصة لمزيد من تكثيف الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية عليها.

في حين؛ كانت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، هدفًا محوريًا لكل من طهران وموسكو، حيث هدفت إلى تأمين احتياجات روسيا من الموارد والطاقة عبر تنسيق استراتيجي يخفف من أثر الضغوط الناتجة عن الانفصال الاقتصادي عن الغرب، إلى جانب؛ تقديم بدائل لإمدادات الطاقة التقليدية والبحث عن أساليب مشتركة لتطوير قطاع الطاقة بما يتماشى مع متطلبات كل من الطرفين.

فقد ركزت بنودها، على التعاون في تطوير مشاريع الطاقة المشتركة، سواء عبر إنشاء وحدات صناعية مشتركة أو توقيع اتفاقيات لتأمين إمدادات مستمرة من المنتجات النفطية والغازية، وتبادل الخبرات في مجالات إدارة الموارد الطاقية وتطوير التقنيات الحديثة المرتبطة بها.

وقد عززت الاتفاقيات من قدرة إيران على تجاوز العقوبات، عن طريق دخول شراكات تتيح لها استخدام أسواق بديلة لبيع منتجاتها الطاقية؛ كما ودعمت هذه الشراكات الاستراتيجية، السياسات الداخلية لطهران في مجال أمن الطاقة، مما ساعد على تحقيق بعض الاستقلالية الاقتصادية النسبية، لكنها في نفس الوقت؛ جعلت من العلاقات مع روسيا أكثر تعقيدًا من ناحية الموازين الدبلوماسية، حيث أصبحت إيران مرتقبة لتداعيات هذا التقارب على مسار علاقاتها مع القوى الغربية.

أثر التقارب الروسي الأمريكي على مفاوضات المِلَفّ النووي الإيراني

يعكس التقارب الروسي الأمريكي، تغييرًا هامًا في معادلات القِوَى العالمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مفاوضات المِلَفّ النووي الإيراني؛ فمع تآزر مواقف هاتين القوتين، تؤسس قاعدة مشتركة قد تُستخدم للضغط على إيران أو لتقديم إطار تفاهم أكثر تماسكًا؛ إذ يسعى الطرفان إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية والتحول من مواقف متعارضة تصادمية في الساحات الإقليمية والدولية، إلى تنسيق دقيق في السياسات تجاه الشرق الأوسط وأوروبا وغيرها.

فهذا التقارب بحسب مراقبين إيرانيين، قد يؤدي إلى تعزيز قدرة الكيان الدَّوْليّ على فرض قواعد مشتركة على المِلَفّ النووي، سواء من خلال تشديد الضوابط أو تعديل شروط الاتفاقيات السابقة، وفي الوقت ذاته؛ من المحتمل أن يُفسَّر هذا التقارب من قبل إيران على أنه محاولة لإجبارها على التنازل عن بعض المطالب، أو حتى كخطوة لضم صفوف القِوَى الغربية والروسية ضدها. (4)

هكذا؛ تصبح مفاوضات المِلَفّ النووي رهينة لموازنة دقيقة بين الضغوط المتزايدة من جهات موحدة، وبين محاولات إيران للمحافظة على مرونتها وموقفها التفاوضي؛ ومن جهة أخرى، قد يكون للتقارب أيضًا أبعاد إيجابية، إذ يمكن أن يفتح المجال لحوار أكثر شمولًا وتناسقًا بين الأطراف الدولية، ما يساعد في تفكيك التعقيدات التي أضفتها سياسات التفرقة والتحيّز في الماضي؛ لكن نجاح هذا المسار يعتمد على مدى قدرت الطرفين على تجاوز الاختلافات التاريخية والآليات الجيوسياسية المعقدة، وفي ذات الوقت على استعداد إيران للانخراط في مفاوضات حقيقية مدفوعة بالتفاهمات المتبادلة والجدية.

في حين؛ يبرز تيارًا أخر من المراقبين الإيرانيين للمشهد الحالي، ينطلق من كون الاتحاد الروسي يتبني حاليًا موقفًا متعدد الأبعاد من مفاوضات المِلَفّ النووي الإيراني، إذ تنسجم فيه اعتبارات الاستقرار الإقليمي مع حماية مصالحها الاستراتيجية التقليدية في الشرق الأوسط، فمن جهة؛ تُعتبر روسيا إيران حليفًا أساسيًا في معادلة القِوَى الإقليمية، وتساهم عبر دعمها للمفاوضات في خلق إطار للتواصل والحوار متعدد الأطراف يُسهم في تلطيف الأجواء ومواجهة الضغوط الغربية.

ومن جهة أخرى؛ تسعى موسكو إلى الاستفادة من التحسن في علاقاتها مع الغرب لتخفيف العقوبات وتوفير مساحة للتعاون الاقتصادي والأمني، دون المساس بنفوذها التقليدي عبر دعم الملف النووي كآلة سياسية تسهم في إعادة هيكلة النظام الإقليمي، وفي هذا السياق؛ تُظهر موسكو حذرًا ومرونة دبلوماسية، فهي تدرك أن التقارب مع واشنطن قد يضعها تحت رِقابة دولية متزايدة، إذا ما اتُخذ موقفٌ متحمل لطرف واحد دون الحفاظ على المصالح الخاصة بها.

ولذلك؛ فهي تسعى إلى لعب دور الوسيط الذي يمهد لطريق تفاوضي متوازن يُراعي مطالب جميع الأطراف، مع التأكيد على أن الحلول التي تُعاد صياغتها يجب ألا تُخل بتوازن القِوَى في المنطقة، أو تضعف من قدرة إيران على استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، بحسب دبلوماسيين روس. (5)

وفي تقديري؛ فإن التطور الأخير في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، يدفع روسيا إلى إعادة تقييم أولوياتها؛ إذ تتبنى استراتيجية تضمن استمرار دعمها لإيران في الملفات الحيوية على المستوى الإقليمي، وفي الوقت نفسه؛ تستغل التقارب مع الغرب لإعادة ضبط بعض إطاراته الدبلوماسية، وهذا التوازن، يضمن لها الحفاظ على ميزانيتها النفوذية وخطابها الإقليمي، دون تجريح علاقاتها مع الأطراف الكبرى التي تلعب دورًا محوريًا في صياغة مستقبل النظام النووي.

ويمكن القول؛ إن الموقف الروسي الحالي من مفاوضات البرنامَج النووي الإيراني، يعكس محاولة لإيجاد مواءمة بين مصالحها الاستراتيجية في دعم الاستقرار الإقليمي عبر دعم المِلَفّ النووي الإيراني، وبين رغبتها في تعزيز علاقاتها مع الغرب، وهو ما يتجلى في تبني نهج دبلوماسي مرن يسعى إلى تحقيق توافق دولي لا يضر بمصالحها العريضة.

أثر التقارب الروسي الأمريكي على العلاقات الروسية الإيرانية

ولا تقتصر المخاوف الإيرانية من التقارب الأمريكي الروسي على مفاوضات الملف النووي فقط، بل تشمل أيضًا؛ قلقًا متصاعدًا من تأثير ذلك التقارب على العلاقات الروسية الإيرانية، التي وصلت لمراحل استراتيجية محورية لإيران؛ إذ يحمل ذلك التقارب تداعيات اقتصادية معقدة على إيران، حيث يمكن أن يؤثر على مسارات التجارة والعقوبات والاستثمارات الأجنبية.

ففي مجالات التجارة والطاقة؛ فإذا أدى التقارب بين موسكو وواشنطن إلى تخفيف التوترات بين الاتحاد الروسي والقوى الغربية، فقد تجد إيران نفسها في موقف أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بصادراتها النفطية والغازية، فروسيا التي تُعد منافسًا رئيسيًا لإيران في سوق الطاقة، قد تستفيد من تحسين علاقاتها مع الغرب، مما قد يقلل من فرص إيران في زيادة صادراتها النفطية أو الحصول على استثمارات جديدة في قطاع النفط والطاقة.

وفي مجال العقوبات والضغوطات الاقتصادية؛ كانت روسيا داعمًا رئيسيًا لإيران في مواجهة العقوبات الغربية، لكن إذا ما قررت موسكو تعزيز علاقاتها مع واشنطن، فقد تتراجع عن بعض دعمها الاقتصادي لطهران، وهذا قد يؤدي إلى تشديد العقوبات أو تقليل فرص إيران في الالتفاف عليها عبر القنوات الروسية؛ وفيما يتعلق بالاستثمارات والبنية التحتية المشتركة بين روسيا وإيران، فالاتفاقيات الاقتصادية بين إيران وروسيا، مثل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة، ومع ذلك؛ إذ ما تغيرات أولويات روسيا نتيجة التقارب مع الولايات المتحدة، فقد تتأثر هذه المشاريع مما يحد من المكاسب الاقتصادية التي كانت إيران تأمل في تحقيقها. (6)

وفي البعد الجيوسياسي؛ فإيران تعتمد على روسيا كحليف استراتيجي في مواجهة الضغوط الغربية، لكن أي تحول في العلاقات الروسية الأمريكية قد يدفع إيران إلى البحث عن بدائل، مثل تعزيز علاقاتها مع الصين أو دول أخرى في المنطقة، لضمان استقراراها الاقتصادي والسياسي، ويمكن القول إن؛ تأثير التقارب الروسي الأمريكي على العلاقات الروسية الإيرانية غير محسوم، حيث يعتمد على مدى استعداد روسيا للاحتفاظ بعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران، رغم محاولات إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تحسين العلاقات الروسية الأمريكية.

مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية في ظل التقارب الروسي الأمريكي

تشكل العلاقات الروسية الإيرانية، إحدى التحالفات الاستراتيجية المركبة التي تستند إلى مصالح مشتركة متعدّدة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو السياسي؛ فكلا الطرفين لطالما اعتبرا التعاون ضد الضغوط الغربية، ركيزة لتحقيق توازن إقليمي، خاصةً في ظل التدخلات الخارجية في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من وجود تناقضات في بعض السياسات والمصالح، إلا أن العلاقة تبنى على قاعدة مشتركة تهدف إلى مواجهة الهيمنة الأحادية وتحقيق استقلالية استراتيجية، وفي ظل المشهد الحالي؛ يبدو أن مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية سيتسم بمرونة استراتيجية وتوازن دقيق، بين الحفاظ على الشراكة التقليدية وبين الاستفادة من التقارب الروسي الأمريكي لتحقيق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية جديدة.

إذ يلوح في الأفق تحدي جديد لديناميكيات العلاقات الروسية الإيرانية، في ظل التقارب الروسي الأمريكي فمن جهة؛ قد يؤدي هذا التقارب إلى دفع موسكو لإعادة تقييم أولوياتها الخارجية والسعي نحو تنويع شركائها، الأمر الذي قد يضع إيران في موقف يتطلب منها مزيدًا من المرونة والدفاع عن مصالحها، ومن جهة أخرى؛ تبقى القاعدة المشتركة بين موسكو وطهران هي معارضتهما للتدخلات الخارجية والضغط الأمريكي، وهو ما يعزز استمرار التعاون الثنائي رغم التغيرات في المشهد الدولي.

كما يُحتمل أن تسعى إيران لاستغلال الفجوات في هذا التقارب لاستعادة بعض أبعاد الشراكة الإستراتيجية القائمة مع روسيا، خاصة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، مثل الأزمة السورية والحد من التدخل الأمريكي وعدم الاستقرار الإقليمي؛ وبذلك قد تتحول العلاقة إلى شراكة أكثر مرونة وتكيّفاً، تجمع بين الاهتمام بالمصالح المشتركة وبين إمكانية الانخراط في علاقات أوسع مع قوى عالمية أخرى، دون التخلي عن القيم والمبادئ التي شكلت أساس التعاون بينهما بشكل عام.

ومن المرجح أن تظل العلاقات الروسية الإيرانية، محتفظة بخصائصها الجوهرية القائمة على مبدأ التكافل الموازي بين تحقيق مصالح وطنية مشتركة، ومواجهة الهيمنة الأوروبية والأمريكية؛ حيث ستعمل روسيا على إدارة العلاقة مع إيران وفقًا لأولوياتها المتجددة في مشهد عالمي متعدد الأقطاب، بينما تظل إيران محافظة على سعيها للحفاظ على حضورها الفعّال في إطار نظام إقليمي متغير؛ فالمستقبل إذًا يحمل تحديات وفرصًا جديدة تتطلب مرونة استراتيجية وتكيّفاً دائمًا مع التطورات الدولية، دون المساس بالعلاقات التاريخية العميقة القائمة بين الطرفين.

الخلاصة:

-دفعت الحرب الروسية الأوكرانية وانهيار العلاقات الاقتصادية الروسية الغربية، العلاقات بين الاتحاد الروسي وإيران، إلى مستوى غير مسبوق من التحالفات والشراكات والتعاون الاستراتيجي المحوري للطرفين، في ظل الضغوطات الغربية المتتابعة على كل من موسكو وطهران، ومع ذلك؛ وفي ظل محاولات الإدارة الأمريكية التقارب مع روسيا والحد من التصعيد المتبادل بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة، أثُيرت مخاوف متصاعدة لدى الجانب الإيراني، من ارتدادات ذلك التقارب على العلاقات بين إيران وروسيا، بالنظر إلى دور روسيا المحوري في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني والالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على إيران؛ وفي ظل المشهد الحالي للتقارب الأمريكي الروسي، فإن مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية يحمل مزيجًا من التداخل الإحتمالي بين التعاون الثنائي، والتحديات الدبلوماسية والاقتصادية.

المصادر

(1)مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

(2)المعهد الدولي للدراسات الإيرانية

(3)الشرق للأخبار

(4)مركز الدراسات العربية الأوراسية

(5)الجزيرة

(6)روسيا اليوم

(7)المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

حسام السيد جمال النجار

كاتب صحفي وباحث بالشأن الاقتصادي والدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى