لا يزال الجيش السوداني يحرز تقدمًا كبيرًا على الأرض بعدما استعاد الخرطوم وقصر الرئاسة؛ فقد أعلن أحمد عثمان حمزة والي الخرطوم خلو الولاية من المتمردين عدا بعض جيوب مليشيا “الدعم السريع” المتمردة التي يتحرك الجيش للقضاء عليها واستكمال تطهير الولاية تمامًا من المتمردين. وتشهد مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور اشتباكات عنيفة بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة، لكن رغم ذلك فالأوضاع الأمنية والميدانية في المدينة جيدة وتحت السيطرة الكاملة للجيش حتى الآن؛ وقد حاول إعلام المليشيا اللعب بعواطف مواطني المدينة وطلب منهم النزوح منها لكنهم لم يستجيبوا. وأعلنت الفرقة السادسة مشاة بالمدينة توجيهها ضربات مدفعية دقيقة وموجعة للمليشيا القادمة من مدينة نيالا وتدمير عدد من مركباتها. علاوة على مواصلة القوات المسلحة والقوات المشتركة حملات تمشيط واسعة بجميع أحياء المدينة للقضاء على كل ظواهر السلب والنهب والسرقة والتسلل.
الجيش يتحرك عمليًّا لتأمين محيط الخرطوم ومنع أية محاولات من جهة المليشيا لإعادة التسلل أو الحصول على إمدادات جديدة؛ وهذا ربما يشمل توسيع العمليات العسكرية في الطرق والممرات التي تربط العاصمة بالولايات الأخرى لضمان عدم حصول “الدعم السريع” على تعزيزات من مناطق مثل الجزيرة أو كردفان، إضافة إلى تشديد الرقابة الجوية وتنفيذ العديد من الضربات الاستباقية على خطوط الإمداد التي تستخدمها المليشيا.
ولا ينبغي أبدًا إغفال الرسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية المقصودة من هبوط طائرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادي في مطار الخرطوم عقب استعادة الخرطوم منذ احتلاله في أبريل عام 2023م؛ فهي ذات دلالات عميقة؛ فعلى الصعيد العسكري تؤكد تلك الزيارة استعادة قدرة القوات المسلحة السودانية على تأمين المنشآت الحيوية والحساسة في العاصمة الخرطوم، ودليل وبرهان دامغ على سيادة الأمن وسلامة الأرض والأجواء من أي تهديد أو اعتداء من المليشيا المتمردة التي أوشكت على أن تكون في خبر كان، وإحكام السيطرة على المطار ومحيطه. ومن الناحية السياسية يعزز هذا من موقف الجيش السوداني في أية محادثات أو مفاوضات مستقبلية؛ لذلك فمنذ اندلاع الصراع المسلح ظل هذا المطار نقطة استراتيجية مهمة من يسيطر عليها يملك ورقة ضغط قوية عسكريًّا وسياسيًّا.
ولا يمكن كذلك فصل توقيت اختيار البرهان لزيارته للمطار والقصر الجمهوري عن التطورات الأخيرة على الصعيد العسكري بولاية الخرطوم؛ فبعد أكثر من عامين من القتال المستمر جاءت هذه الزيارة بمثابة استعراض للقوة وإثبات لقدرة الجيش عمليًّا على تأمين مواقع سيادية حساسة بما فيها القصر الجمهوري الذي استعاده منذ عدة أيام؛ ما يعني فرض واقع جديد على الأرض له تأثير كبير في سير المفاوضات المحتملة وورقة ضغط قوية في يد الدبلوماسية السودانية.
لم يقتصر تقدم الجيش على ما ذُكر فحسب، بل إنه استعاد السيطرة على معسكر النسور الحربي الواقع في أقصى غرب محلية أمبدة بمدينة أم درمان وطرد قوات المليشيا المتمردة؛ فقد استطاعت قوة من الاحتياطي المركزي بدعم بعض وحدات القوات المسلحة بسط سيطرتها على المعسكر الذي هو الآخر تحت سيطرة مليشيا “الدعم السريع” المتمردة منذ بدء الحرب في أبريل عام 2023م. في حين تشهد مناطق غرب أم درمان معارك ضارية بين الجيش والمليشيا المتمردة التي تحاول الحفاظ على آخر مواقعها داخل ولاية الخرطوم، في الوقت الذي يسعى فيه الجيش إلى إخراجها من الولاية تمامًا وإعلانه السيطرة الكاملة عليها. ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة معارك عنيفة بين الطرفين تحسم نهائيًّا مسألة السيطرة التامة على ولاية الخرطوم بجميع مدنها ومحلياتها.