meta property="fb:pages" content="332020570480155" /

الأُقُصر بعيني أنا

الأُقُصر بعيني أنا

خاص ع المكشوف

كتبت فاطمه عباس

كنت أسمع عنها.. بأنها تاريخ ينام فوق التلال.. ثم جاء من جعلها تاريخًا يداعب مخيلتي لمدة خمس سنوات.. إلى أن دخلتُها.. أو لنقل دخلتُ التاريخ من بوابة الأقصر،والخمس سنوات تخطت الـ 5000 سنة، بآثارها ومعالمها التاريخية الخالدة،لأعيش قصة حضارة لا يمكن أن تخبو مع مرور الزمن.على ضفاف النيل العظيم، وفي هذه المدينة بالذات، تبعثرت أفكاري، أحسست أن هذا النهر مارس عليّ الإغواء بجميع أساليبه، وأنا استسلمت له طوعًا.
ربما لأن بداخلي ذكريات كثيرة، ربما حمّلته ما لا يطيق، لكنه أصغى إليّ.. فمؤكد أنه يعرف حميميتي التي كانت افتراضيةً مع هذه المدينة التي شهدت صمتي الساكن مثل الليل، ووهج النار الذي بداخلي، يعرف علاقتي بمدينةٍ شكل المسلاّت والأعمدة فيها أرعبني.. فالناس من حولي كانوا كثر، لكنني لم أرَ أحدًا.. لم يكونوا موجودين، فقط التماثيل والرسومات كانت تحدثني وتجعلني أتوقف لأمسح بيدي الوجع الذي يرافقه ظلٌّ صفع ذاكرتي، لأعود وأسمع صوته من جديد وهو يحدثني عن الأقصر ومعابدها. الفرق كان أن الصوت رافقته رسومات جعلت من معابد الأقصر حافةَ منفى تستكين له الذاكرة، حيث اختفت أشعة الشمس وراء غيمة لم تنسحب أبدًا، فانزلقت أفكاري لتطرد عبثية الأقدار دون أن أقوى على النسيان ولا حتى على الحياة إلّا في زمن الكرنك أو وادي الملوك. في الأقصر استفحل شوقي إلى أرضٍ لم تعد موجودة إلا في الحلم وفي كتب التاريخ؛ أرضٍ كانت مختصرًا لكلّ الآمال؛ أرضٍ انبطح فيها زهر اللوتس على امتداد البصر؛ أرضٍ قامت فيها الطيور من غفوتها لتُخرج الفراشاتِ من كرّاسات الصغار فتنمو التفاصيل التي كانت فيما مضى عادية وتبدو الآن غير ذلك.الأقصر، تلك المدينة التي سحرتني بعراقتها وعزتها وشموخها، جعلتني أرى على أسوارها مجدًا أجبرني باستماتة على سحب رغبتي المحمومة في استحضار التفاصيل التي اقتادتني إليها، إلى ذلك الحلم الذي أحببته.. حيث قصُر كلُّ شيء وطالت الحكاية، حيث أغمضتُ عيوني ولم أرَ شيئًا إلا أنني فاصلة في سطر عابر…لست أدري ما الذي سحبني إلى هذه المدينة، ففيها الشمس دفنت قرصَها في منتصف النيل..هل يا ترى ستكنس هذه الرحلة أحزاني الضامرة؟.. يا لهذا المكان، لا تقبل أعاليه بأنصاف الحلول، ولغته لا يفهمها إلا حالمون بعهد انقضى وواقع لم يمت.في شوارع الأقصر مشيت، لم أكن أعرف أين أتّجِه، ولا ذاك الشيء الملتبس الذي بداخلي، فهو يشبه طعم الأمل ولون الرماد. كنت أنصت إلى نداءاتي الداخلية، إلى عنف التاريخ وسيول الأسئلة المثقلة بالغبار..
لن أنسى رحلتي إلى الأقصر، كيف أنسى توهج الليل وهجرة الألوان والذكرى والغيم ونبات الأرض، حقول السنابل وجذوع الشج؟! لن أنسى لأنه في نهاية زيارتي نفضت الغبار عن قلبي وفتحته على الحياة دون أن أبكي، دون أن أنشد أغنية الوداع.ففي الأقصر الحياة تستمر، ولن أنسى أنه في معبد الكرنك، كان كلّ ملك من الملوك المتعاقبين يحاول جعل معبده الأكثر روعة ليتميز به عن سلفه، وهذا دليل كامل على أن الحياة مستمرة.
فاطمة عباس … لبنان

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

رأيك يهمنا شارك الان

%d مدونون معجبون بهذه: